الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

164

مناهل العرفان في علوم القرآن

وابن المنذر وغيرهم ، عن عائشة رضى اللّه عنها قالت : « لم يمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أحل اللّه تعالى له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم » الخ . والسر في أن اللّه حرم على الرسول أولا ما عدا أزواجه ، ثم أحل له ما حرمه عليهن ، هو أن التحريم الأول فيه تطييب لقلوب نسائه ، ومكافأة لهن ، على اختيارهن اللّه ورسوله والدار الآخرة ، بعد أن نزلت آيات التخيير في القرآن . ثم إن إحلال هذا الذي حرم على رسوله مع عدم زواج الرسول من غير هن بعد هذا الاحلال ، كما ثبت ذلك ، فيه بيان لفضله صلى اللّه عليه وسلم ومكرمته عليهن ، حيث قصر نفسه ولم يتزوج بغيرهن ، مع إباحة اللّه له ذلك . وقد جاءت روايات أخرى في هذا الموضوع تخالف ما ذكرناه ، لكن لم يثبت لدينا صحة شئ منها ولهذا رجحنا ما بسطناه . ولا يعكر صفو القول بالنسخ هنا ، ما نلاحظه من تأخر الآية المنسوخة عن الناسخة في المصحف . لأن المدار على ترتيب النزول لا على ترتيب المصحف كما تعلم . الآية العشرون يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً فإنها نسخت بقوله سبحانه عقب تلك الآية : أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ . فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وقيل لا نسخ ، بحجة أن الآية الثانية بيان للصدقة المأمور بها في الأولى ، وأنه يصح أن تكون صدقة غير مالية ، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة اللّه ورسوله . وأنت خبير بأن هذا ضرب من التكلف في التأويل ، يأباه ما هو معروف من معنى الصدقة حتى أصبح لفظها حقيقة عرفية في البذل المالى وحده . وقيل : إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال بزوال سببه ، وهو تمييز المنافق من غيره . وهذا مردود بأن كل حكم منسوخ فإنما نسخه اللّه لحكمة ، من نحو مصلحة أو سبب كان يرتبط به الحكم الأول ، ثم زالت تلك المصلحة أو ذلك السبب .